mr_soft
11-21-2007, 01:37 PM
منذ بضعة أيام , وتحديدا بعد خسارة النادي الأهلي المصري لكأس الاتحاد الإفريقي لبطولة الأندية أبطال الدوري بقارة إفريقيا , على يد فريق النجم الساحلي التونسي .. منذ ذلك اليوم وأنا أعيش في حيرة شديدة , وأضرب كفّا بكف , وكأني أعذّب كفّيّ بضربهما حتى يخبرني أحدهما ما الذي يحدث في الدنيا؟!!
إذا دخلتُ موقعا إخباريا تناول الموقعة الحربية (أقصد المباراة) وقرأت تعليقات الجماهير , أصابتني دهشة تجعلني أنظر على شاشة جهازي كالمعتوه , وكل من يراني فاتحا فمي ببلاهة يظنني أتطلع إلى أحد مواقع (الهِشِّك بِشِّكْ) أو مواقع (أستغفر الله العظيم) .. !!
فبرغم أني أهلاوي النزعة الرياضية , والفطرة عندنا في أسرتنا الصعيدية أن يولد الطفل مسلما , أهلاوي الهوى , مالكي المذهب .. إلا أني بعد مشاهدة المباراة قمت وكأن شيئا لم يكن .. !!
فالأمر مجرد مباراة , أشاهدها من باب (إنما هي ساعة وساعة) , حتى وإن كنت عاشقا للفريق الذي أشجعه .. فلا أري غضاضة ولا عيبا في محبة فريق وتشجيعه , خاصة وقد كنتُ حارس مرمى جامعة الأزهر المحروسة طيلة فترة دراستي الجامعية , طالما خلا الأمر من التعصب الممقوت , والخروج البغيض عن الأدب وانفلات الأعصاب.
ولفت انتباهي انطباعات الناس من حولي عن المباراة , وقد شاهدت كل لقطة فيها , ولم يفتني فيها تسلل مهاجم ,ولا قدم مدافع تبحث عن ساق تهشمها!!
المشكلة الكبرى أن الناس في بلادنا لا تعاملون مع المباريات على أنها منافسات في لعب الكرة , اسمها لعب .. (لعب .. لعب .. من هنا إلى يوم القيامة ), وأنها مهما علا قدرها أو غلا ثمن (اسم الله عليهم) لاعبي الكرة فهي مجال ترفيهي في المقام الأول .. بل تشكل الكرة في الوعي المصري والعربي والمسلم قيَما خاصة ومبادئ غريبة.
وأريد النظر في هذه المباراة تحديدا , ورصد أحوال الناس ومواقفهم , والخروج بشيء مفيد من ذلك كله.
المباراة أوضحت بشكل كبير أن هناك بعض الناس حزين مهموم على اختلاف انتماءاتهم الكروية , على اعتبار أن البطولة كانت لناد مصري في المقام الأول , وأنها ضاعت من يد الأهلي بعد وقوعه تحت ظلم كبير في مباراتي الذهاب والإياب من التحكيم , وأنه كان يستحق البطولة .. بينما البعض الآخر شامت , تكاد الفرحة تصيبه بجلطة في القلب , وبالغ بعضهم بالخروج في مظاهرات حاشدة تجوب شوارع بعض المدن في قلب مصر ابتهاجا وفرحا بهزيمة الأهلي!!!
وإذا سألت الحزين , لم حزنتَ؟ يجيبك أنها بطولة كانت مضمونة وضاعت بعد ظلم كبير , ويكلمك وهو يكاد يبكي ويفقد بصره من كثرة ما سَحَّتْ عيناه الدموع؟!! , ويكاد قلبه يتفطر أكثر لفرحة أعداء النادي فيه !!! (بصدق والله أعداء النادي هكذا يقول)!!
وهذا الباكي نفسه .. والذي حفظ كل مجريات المباراة , وكل حركات اللاعبين , بدءا من انطلاقة "أحمد السيد" وانتهاءً بابتسامة "أبو تريكة" لو سألته عما حدث في فلسطين اليوم لن تجده يعرف شيئا عنه , أو سألته عن مهازل الحزب الواطي في مصر التي يعيش فيها , أو غرق الشباب المصريين قبالة سواحل إيطاليا بحثا عن لقمة عيش افتقدوها في بلادهم فلن تجد منه جوابا .. وقد يُنزِل عليك صاعقة من القول , تأخذ "قَفَاكَ"( تلطيشا) جيئة وذهابا , وتجعله (يُقَمّر عيشا) عندما يقول لك: (يا عم ابعد عني , هو الواحد ناقص غم)!!
منطق غريب , جعل الرجل يترك التفكير في همه الحقيقي , ويبحث عن همّ مصطنع يورثه حزنا أشد , مع أن الهمّ الأول أولى , وعليه تتوقف حياته وكرامته .. بل والله وآخرته لو كان يدري .. هذا بالنسبة للفريق الحزين المتألم من جراء الفاجعة , التي تهون من أجلها كل الفواجع , بدءا من نكبة فلسطين , وحتى تقسيم العراق إلى عدد غير معروف من (الدكاكين)!!
أما فريق الآخر .. فريق الشلاضيم الضاحكة , والوجوه المشرقة .. فيأخذ الأمر على محمل الصاعقة التي أصابت الظالم الأكبر في العالم , فتشعر أن كل مشاكل الحياة كانت بسبب النادي الأهلي!!
فهو الذي خرب اقتصاد مصر , ونهب ثرواتها , وأن مستواه أقل من مركز شباب "بُورِة الضَّبْعَة" (مكان يعرفه أهل قنا , مفيهوش أي مركز شباب إطلاقا , ويَضُم شارع المِكَتَّلِين – يعني المُقَتَّلِين بلهجة أهل قنا – أكثر شوارع قنا رعبا , طلية القرن العشرتاشر) .. فترى بوضوح أن التحامل بلغ مداه على النادي الأهلي , وهضمه حقه ..
والأنكى والأشد , أن هذا الفرِح المسرور يعلن بكل صراحة أن المباراة من حق النجم الساحلي , وأن الحكم لم يتغاضى عن ضربتي جزاء صحيحتين للأهلي , ولم يترك لاعبي النجم يضيعون الوقت بشكل مستفز .. مع أن الإعادة أظهرت بما لا يدع مجالا للشك أن الحكم تغاضى متعمدا عن احتساب أي شيء للأهلي يمكن أن يضمن له المباراة.
الذي لفت نظري بشدة , هو أن فريق الشامتين نسي أن الشهادة لله حق ولو كانت على رقبة الإنسان , وليس في مباراة كرة قدم لن تغير شيئا من التاريخ !!
ويحلل لك المباراة , ويتكلم عن الأهلي الذي يحتكر البطولات المصرية والأفريقية , كأنه الصهيوني الذي يحتل بيت المقدس ويهين كرامة الأمة!!
ويرتكب بدوره نفس الحماقة , ويجعل القضية كأنها مسألة حياة أو موت , وأنه في سبيل إزاحة الطاغية تهون كل المصائب , وأن سقوط الأهلي في الميدان هو منتهى أمله ومنى عينه!!
ويهولك الأمر عندما تدخل إلى المواقع الرياضية , والتي يفترض أن الكتاب فيها عقلاء أكاديميون متخصصون في ملاحظة المزايا والعيوب المتعلقة بهذه الرياضة .. عندما ترى كاتبا يفرغ سموما من قلمه ويشعل بين القراء نار التفاهة والطيش , ستعرف أن الموازين تبدلت بشكل غريب جدا .. فحتى العقلاء أسهموا في بلاهة الجماهير , لكنه ليس غريبا إذا كان الكاتب نفسه فارغ من الداخل ولا يجد شيئا يكتب عنه , فكل إناء بما فيه ينضح ..
فها نحن نسمع أن متعصبين من جماهير الأهلي طعنوا أحد لاعبي فريق الناشئين بالزمالك بآلة حادة في فخذه حتى لا يستطيع لعب المباراة ضد الأهلي .. وقديما ذهب جمهور الزمالك الغضب إلى بيت مرتضى منصور رئيس النادي وكسروا ما فيه على رؤوس من فيه!! ..
ثم أخيرا وليس آخرا مع أغرب جمهور في العالم رأيته يشجع كرة القدم .. جمهور الإسماعيلي , الذي لم يخرج في مظاهرة لشجب أو استنكار ما يحدث من انتهاك للأعراض في أقسام الشرطة , أو لتأييد إخواننا المحاصرين في غزة , أو في أي مجال تستطيع أن تحترم مَن يتحرك مِن أجله , يخرج في مظاهرات حاشدة ليحاصر بيت أحد لاعبيه عندما علم انه وقع عقدا للنادي الأهلي , واتصل الجماهير بأهله وهددوهم بالقتل إن لم يتراجع عن فعلته الشنيعة (وكأنه مضى اتفاقية تطبيع مع اولمرت) , بل وحاصروا منزله بعد أن طافوا شوارع الإسماعيلية حاملين لنعشه!!
هذا هو الحال في مصر ..
وفي تونس الخضراء , فالأمر لا يختلف كثيرا , إلا أنهم أقل تعصبا , وأناس عمليون نوعا ما , فجعلوا المباراة وأحداثها وراء ظهورهم وانتبهوا لحياتهم , فهي لا تقل قتامة عن حياة المصريين من جهة قمع الحريات والتضييق على أهل الحق , لكنهم في أيام المباراتين كانوا يكادون يصابون بنوبات قلبية كلما لمس أبو تريكة الكرة , وكأنه يضغط على زر قنبلة ستفجر الخضراء , ونسوا تماما أن تونس تعيش فيلما هزليا اسمه الزعيم الأوحد , وأن القنبلة قد نُزع فتيلها منذ قبل التونسيون أن يسكتوا ويكتفوا بمقعد المشاهد لمهزلة بن علي!!
في رصد هذه المباراة , وانعكاساتها على تصرفات الناس رأيت العجب العجاب فعلا .. وعرفت كيف أننا نستحق ما نحن فيه التخلف , وأننا نعاني من حالات تجهيل متعمد أحيانا , وبرغبتنا أحيانا أخرى .
إن الإنسان الذي ينشغل عن قضايا مصيره بقضايا أقل من التفاهة نفسها لهو إنسان بعيد عن حيز العقلاء تماما , ولا يستحق أن يكون له اسم في سجل الأحياء.
كيف تنهض أمة من كبوتها وأبناؤها يتركون عدوهم على حدود بلادهم يقتل إخوانهم , ويذهبون ليتصدر كل منهم للآخر في ميدان اللعب والهزل؟
يا ترى لو رآنا محمد على حالنا هذا أكان يفرح بنا ويرضى عنا؟
يا ترى لو عاد صلاح الدين من جديد أو سيف الدين قطز , هل كانا يحبان أن يقودا شعوبا هذه صفاتها؟
الحمد لله الذي عافاهم مما ابتلانا به , فرفعوا راية الإسلام , وأوصلوا الدعوة إلى أقصى آماد الدنيا, ولم ينشغلوا بسفاسف الأمور..
يا مصريون .. يا عرب .. يا مسلمون ..
تذكروا قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل كريم ، يحب الكرم ومعالي الأخلاق ، ويبغض سفسافها" (الألباني في الصحيحة).
وتذكروا قول شاعر العرب المتنبي
عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ ..... وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ
وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها ..... وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ
أفيقي يا امة الإسلام
إذا دخلتُ موقعا إخباريا تناول الموقعة الحربية (أقصد المباراة) وقرأت تعليقات الجماهير , أصابتني دهشة تجعلني أنظر على شاشة جهازي كالمعتوه , وكل من يراني فاتحا فمي ببلاهة يظنني أتطلع إلى أحد مواقع (الهِشِّك بِشِّكْ) أو مواقع (أستغفر الله العظيم) .. !!
فبرغم أني أهلاوي النزعة الرياضية , والفطرة عندنا في أسرتنا الصعيدية أن يولد الطفل مسلما , أهلاوي الهوى , مالكي المذهب .. إلا أني بعد مشاهدة المباراة قمت وكأن شيئا لم يكن .. !!
فالأمر مجرد مباراة , أشاهدها من باب (إنما هي ساعة وساعة) , حتى وإن كنت عاشقا للفريق الذي أشجعه .. فلا أري غضاضة ولا عيبا في محبة فريق وتشجيعه , خاصة وقد كنتُ حارس مرمى جامعة الأزهر المحروسة طيلة فترة دراستي الجامعية , طالما خلا الأمر من التعصب الممقوت , والخروج البغيض عن الأدب وانفلات الأعصاب.
ولفت انتباهي انطباعات الناس من حولي عن المباراة , وقد شاهدت كل لقطة فيها , ولم يفتني فيها تسلل مهاجم ,ولا قدم مدافع تبحث عن ساق تهشمها!!
المشكلة الكبرى أن الناس في بلادنا لا تعاملون مع المباريات على أنها منافسات في لعب الكرة , اسمها لعب .. (لعب .. لعب .. من هنا إلى يوم القيامة ), وأنها مهما علا قدرها أو غلا ثمن (اسم الله عليهم) لاعبي الكرة فهي مجال ترفيهي في المقام الأول .. بل تشكل الكرة في الوعي المصري والعربي والمسلم قيَما خاصة ومبادئ غريبة.
وأريد النظر في هذه المباراة تحديدا , ورصد أحوال الناس ومواقفهم , والخروج بشيء مفيد من ذلك كله.
المباراة أوضحت بشكل كبير أن هناك بعض الناس حزين مهموم على اختلاف انتماءاتهم الكروية , على اعتبار أن البطولة كانت لناد مصري في المقام الأول , وأنها ضاعت من يد الأهلي بعد وقوعه تحت ظلم كبير في مباراتي الذهاب والإياب من التحكيم , وأنه كان يستحق البطولة .. بينما البعض الآخر شامت , تكاد الفرحة تصيبه بجلطة في القلب , وبالغ بعضهم بالخروج في مظاهرات حاشدة تجوب شوارع بعض المدن في قلب مصر ابتهاجا وفرحا بهزيمة الأهلي!!!
وإذا سألت الحزين , لم حزنتَ؟ يجيبك أنها بطولة كانت مضمونة وضاعت بعد ظلم كبير , ويكلمك وهو يكاد يبكي ويفقد بصره من كثرة ما سَحَّتْ عيناه الدموع؟!! , ويكاد قلبه يتفطر أكثر لفرحة أعداء النادي فيه !!! (بصدق والله أعداء النادي هكذا يقول)!!
وهذا الباكي نفسه .. والذي حفظ كل مجريات المباراة , وكل حركات اللاعبين , بدءا من انطلاقة "أحمد السيد" وانتهاءً بابتسامة "أبو تريكة" لو سألته عما حدث في فلسطين اليوم لن تجده يعرف شيئا عنه , أو سألته عن مهازل الحزب الواطي في مصر التي يعيش فيها , أو غرق الشباب المصريين قبالة سواحل إيطاليا بحثا عن لقمة عيش افتقدوها في بلادهم فلن تجد منه جوابا .. وقد يُنزِل عليك صاعقة من القول , تأخذ "قَفَاكَ"( تلطيشا) جيئة وذهابا , وتجعله (يُقَمّر عيشا) عندما يقول لك: (يا عم ابعد عني , هو الواحد ناقص غم)!!
منطق غريب , جعل الرجل يترك التفكير في همه الحقيقي , ويبحث عن همّ مصطنع يورثه حزنا أشد , مع أن الهمّ الأول أولى , وعليه تتوقف حياته وكرامته .. بل والله وآخرته لو كان يدري .. هذا بالنسبة للفريق الحزين المتألم من جراء الفاجعة , التي تهون من أجلها كل الفواجع , بدءا من نكبة فلسطين , وحتى تقسيم العراق إلى عدد غير معروف من (الدكاكين)!!
أما فريق الآخر .. فريق الشلاضيم الضاحكة , والوجوه المشرقة .. فيأخذ الأمر على محمل الصاعقة التي أصابت الظالم الأكبر في العالم , فتشعر أن كل مشاكل الحياة كانت بسبب النادي الأهلي!!
فهو الذي خرب اقتصاد مصر , ونهب ثرواتها , وأن مستواه أقل من مركز شباب "بُورِة الضَّبْعَة" (مكان يعرفه أهل قنا , مفيهوش أي مركز شباب إطلاقا , ويَضُم شارع المِكَتَّلِين – يعني المُقَتَّلِين بلهجة أهل قنا – أكثر شوارع قنا رعبا , طلية القرن العشرتاشر) .. فترى بوضوح أن التحامل بلغ مداه على النادي الأهلي , وهضمه حقه ..
والأنكى والأشد , أن هذا الفرِح المسرور يعلن بكل صراحة أن المباراة من حق النجم الساحلي , وأن الحكم لم يتغاضى عن ضربتي جزاء صحيحتين للأهلي , ولم يترك لاعبي النجم يضيعون الوقت بشكل مستفز .. مع أن الإعادة أظهرت بما لا يدع مجالا للشك أن الحكم تغاضى متعمدا عن احتساب أي شيء للأهلي يمكن أن يضمن له المباراة.
الذي لفت نظري بشدة , هو أن فريق الشامتين نسي أن الشهادة لله حق ولو كانت على رقبة الإنسان , وليس في مباراة كرة قدم لن تغير شيئا من التاريخ !!
ويحلل لك المباراة , ويتكلم عن الأهلي الذي يحتكر البطولات المصرية والأفريقية , كأنه الصهيوني الذي يحتل بيت المقدس ويهين كرامة الأمة!!
ويرتكب بدوره نفس الحماقة , ويجعل القضية كأنها مسألة حياة أو موت , وأنه في سبيل إزاحة الطاغية تهون كل المصائب , وأن سقوط الأهلي في الميدان هو منتهى أمله ومنى عينه!!
ويهولك الأمر عندما تدخل إلى المواقع الرياضية , والتي يفترض أن الكتاب فيها عقلاء أكاديميون متخصصون في ملاحظة المزايا والعيوب المتعلقة بهذه الرياضة .. عندما ترى كاتبا يفرغ سموما من قلمه ويشعل بين القراء نار التفاهة والطيش , ستعرف أن الموازين تبدلت بشكل غريب جدا .. فحتى العقلاء أسهموا في بلاهة الجماهير , لكنه ليس غريبا إذا كان الكاتب نفسه فارغ من الداخل ولا يجد شيئا يكتب عنه , فكل إناء بما فيه ينضح ..
فها نحن نسمع أن متعصبين من جماهير الأهلي طعنوا أحد لاعبي فريق الناشئين بالزمالك بآلة حادة في فخذه حتى لا يستطيع لعب المباراة ضد الأهلي .. وقديما ذهب جمهور الزمالك الغضب إلى بيت مرتضى منصور رئيس النادي وكسروا ما فيه على رؤوس من فيه!! ..
ثم أخيرا وليس آخرا مع أغرب جمهور في العالم رأيته يشجع كرة القدم .. جمهور الإسماعيلي , الذي لم يخرج في مظاهرة لشجب أو استنكار ما يحدث من انتهاك للأعراض في أقسام الشرطة , أو لتأييد إخواننا المحاصرين في غزة , أو في أي مجال تستطيع أن تحترم مَن يتحرك مِن أجله , يخرج في مظاهرات حاشدة ليحاصر بيت أحد لاعبيه عندما علم انه وقع عقدا للنادي الأهلي , واتصل الجماهير بأهله وهددوهم بالقتل إن لم يتراجع عن فعلته الشنيعة (وكأنه مضى اتفاقية تطبيع مع اولمرت) , بل وحاصروا منزله بعد أن طافوا شوارع الإسماعيلية حاملين لنعشه!!
هذا هو الحال في مصر ..
وفي تونس الخضراء , فالأمر لا يختلف كثيرا , إلا أنهم أقل تعصبا , وأناس عمليون نوعا ما , فجعلوا المباراة وأحداثها وراء ظهورهم وانتبهوا لحياتهم , فهي لا تقل قتامة عن حياة المصريين من جهة قمع الحريات والتضييق على أهل الحق , لكنهم في أيام المباراتين كانوا يكادون يصابون بنوبات قلبية كلما لمس أبو تريكة الكرة , وكأنه يضغط على زر قنبلة ستفجر الخضراء , ونسوا تماما أن تونس تعيش فيلما هزليا اسمه الزعيم الأوحد , وأن القنبلة قد نُزع فتيلها منذ قبل التونسيون أن يسكتوا ويكتفوا بمقعد المشاهد لمهزلة بن علي!!
في رصد هذه المباراة , وانعكاساتها على تصرفات الناس رأيت العجب العجاب فعلا .. وعرفت كيف أننا نستحق ما نحن فيه التخلف , وأننا نعاني من حالات تجهيل متعمد أحيانا , وبرغبتنا أحيانا أخرى .
إن الإنسان الذي ينشغل عن قضايا مصيره بقضايا أقل من التفاهة نفسها لهو إنسان بعيد عن حيز العقلاء تماما , ولا يستحق أن يكون له اسم في سجل الأحياء.
كيف تنهض أمة من كبوتها وأبناؤها يتركون عدوهم على حدود بلادهم يقتل إخوانهم , ويذهبون ليتصدر كل منهم للآخر في ميدان اللعب والهزل؟
يا ترى لو رآنا محمد على حالنا هذا أكان يفرح بنا ويرضى عنا؟
يا ترى لو عاد صلاح الدين من جديد أو سيف الدين قطز , هل كانا يحبان أن يقودا شعوبا هذه صفاتها؟
الحمد لله الذي عافاهم مما ابتلانا به , فرفعوا راية الإسلام , وأوصلوا الدعوة إلى أقصى آماد الدنيا, ولم ينشغلوا بسفاسف الأمور..
يا مصريون .. يا عرب .. يا مسلمون ..
تذكروا قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل كريم ، يحب الكرم ومعالي الأخلاق ، ويبغض سفسافها" (الألباني في الصحيحة).
وتذكروا قول شاعر العرب المتنبي
عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ ..... وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ
وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها ..... وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ
أفيقي يا امة الإسلام